
تداولت الوسائط منشورات تتهم قضاة بعينهم بالفساد، وذلك لإبراز انحراف ممنهج داخل السلطة القضائية. إطلاق هذه الاتهامات عبر الوسائط، ومن محامٍ يثير عدة تساؤلات وإشكاليات أقلها أنها لا تقف عند حد الإساءة أو التشكيك في دور القضاء وثقة المتقاضين، بل تطال حتى منظومات المحامين وسائر مؤسسات الدولة التي تعاني – بدرجات متفاوتة – من أزمات هيكلية لا تؤهل أيٍّ منها بادعاء التفوق على الأخرى.
فتح موضوعات الفساد أو التصدي لعلاجها بأساليب غير منهجية، وتحت ذريعة الإصلاح، تقتضي العودة إلى استقراء التجارب الفكرية التي تناولت مسارات ومناهج التغيير في المجتمعات. في هذا السياق يمكن تمييز مدرستين رئيستين: *الأولى*: مدرسة التغيير الجذري: وهي التي ترى أنه لا جدوى من البناء على الماضي، وإنما الهدم والاستبدال الكلي. *الثانية* : مدرسة الإصلاح: حيث يؤمن أنصارها بإمكانية البناء على ما كان نافعاً في التجارب السابقة، مع السعي التدريجي لمعالجة جوانب الخلل، واستبدال ما يستعصي إصلاحه. ويذهب بعض الباحثين إلى أن المدرسة التي تتبنى فكرة التعايش مع الأوضاع السلبية تمثل امتداداً لمدرسة الإصلاح، استناداً إلى أن الشعوب، من خلال تراكم خبراتها ومكابدتها لأخطائها، قادرة على تجاوز تلك الأوضاع تدريجياً.
التجربة السياسية السودانية تكشف عن غلبة مدرسة التغيير الجذري، إذ درجت كل سلطة جديدة على نقض ما قبلها ولعن من سبقها. المصطلحات المستخدمة في أعقاب التحولات السياسية أبرز دليل على ذلك التطرف. فبعد انقلاب مايو، رُفع شعار “التطهير واجب وطني”، وهو ما أسهم، بحسب غالبية المحللين الاقتصاديين، في هروب الاستثمارات الأجنبية وحتى الوطنية. أما نظام الثلاثين من يونيو فقد استبدل فكرة “التطهير” بمفهوم “التمكين”، فكانت النتيجة إحلالاً شبه كامل بكوادر الحزب أو الموالين له، باستثناء قلة ممن رحم الله. ومع سقوط نظام البشير عادت ذات الفكرة في ثوب جديد تحت شعار “إزالة التمكين”، ولكن بلا رؤية استراتيجية أو وضوح متطلبات وأدوات التغيير.
إن أي عملية تغيير، مهما كان منهجها، إذا لم تُبنَ على دراسة دقيقة للواقع، فإنها لا تفضي إلى الفشل وحسب، بل قد تُنتج أوضاعاً أكثر مأساوية مما سبقها. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن نجاح التغيير يتطلب وجود القاعدة الاجتماعية المؤمنة بالتحول والتي لا تقل عن 20 بالمائة من المجتمع المستهدف، على أن يتوافر ضمن هذه النسبة ما بين 3 إلى 5 بالمائة من الأفراد المؤهلين بقدرات القيادة وإمكانيات الاتصال، ومنخرطين فعلياً في تنفيذ برامج التغيير.
الخرطوم 16 أغسطس 2025



